عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
398
اللباب في علوم الكتاب
وأمّا من نصب الثلاثة منونة فتخريجها على أن تكون منصوبة على المصدر بأفعال مقدرة من لفظها ، تقديره : فلا يرفث رفثا ، ولا يفسق فسوقا ولا يجادل جدالا ، وحينئذ فلا عمل ل « لا » فيما بعدها ، وإنّما هي نافية للجمل المقدرة ، و « في الحجّ » متعّلق بأيّ المصادر الثّلاثة شئت ، على أنّ المسألة من التنازع ، ويكون هذا دليلا على تنازع أكثر من عاملين ، وقد يمكن أن يقال : إنّ « لا » هذه هي التي للتّبرئة على مذهب من يرى أنّ اسمها معرب منصوب ، وإنما حذف تنوينه ؛ تخفيفا ، فرجع الأصل في هذه القراءة الشاذة كما رجع في قوله : [ الوافر ] 991 - ألا رجلا جزاه اللّه خيرا * . . . « 1 » وقد تقدّم تحريره . وأمّا قراءة الفتح في الثّلاثة فهي « لا » التي للتّبرئة . وهل فتحة الاسم فتحة إعراب أم بناء ؟ فيه قولان ، الجمهور على أنّها فتحة بناء ، وإذا بني معها ، فهل المجموع منها ، ومن اسمها في موضع رفع بالابتداء ، وإن كانت عاملة في الاسم النصب على الموضع وما بعدها ، ولا خبر لها ؟ أوليس المجموع في موضع مبتدأ ، بل « لا » عاملة في الاسم النّصب على الموضع ، وما بعدها خبر ل « لا » ؛ لأنّها أجريت مجرى « أنّ » في نصب الاسم ، ورفع الخبر ؟ قولان : الأول : قول سيبويه « 2 » . والثاني : قول الأخفش . وعلى هذين المذهبين ، يترتّب الخلاف في قوله : « في الحجّ » ، فعلى مذهب سيبويه : يكون في موضع خبر المبتدأ ، وعلى رأي الأخفش : يكون في موضع خبر « لا » ، وقد تقدّم شيء من هذا أول الكتاب . وأمّا من رفع الأولين ، وفتح الثالث : فالرفع على ما تقدّم ، وكذلك الفتح ، إلا أنه ينبغي أن ينبّه على شيء : وهو أنّا قلنا بمذهب سيبويه من كون « لا » وما بني معها في موضع المبتدأ ، يكون « في الحج » خبرا عن الجميع ؛ إذ ليس فيه إلّا عطف مبتدأ عى مبتدأ ، وأمّا على مذهب الأخفش ، فلا يجوز أن يكون « في الحجّ » إلا خبرا للمبتدأين ، أو خبرا ل « لا » . ولا يجوز أن يكون خبرا للكلّ ؛ لاختلاف الطالب ؛ لأنّ المبتدأ يطلبه خبرا له ، ولا يطلبه خبرا لها . وإنّما قرىء كذلك ، قال الزمخشري « 3 » : « لأنّهما حملا الأوّلين على معنى النّهي ، كأنه قيل : فلا يكوننّ رفث ولا فسوق ، والثالث على معنى الإخبار بانتفاء الجدال ، كأنه قيل : ولا شكّ ولا خلاف في الحجّ » واستدلّ على أنّ المنهيّ عنه هو
--> ( 1 ) تقدم برقم 107 . ( 2 ) ينظر : الكتاب 1 / 345 . ( 3 ) ينظر : الكشاف 1 / 243 .